ظاهرة تشييخ محركات البحث
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد،
فإن التقدم العلمي ما زال يتحفنا كل يوم بجديده، وبالرغم من أن صُنـَّاعه لم يقصدوا به خدمة الإسلام؛ إلا أن الله -عز وجل- يسَّر لنا ما قدَّمه الغربُ لاستخدامه في خدمة الدين، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الْفَاجِرِ) متفق عليه.
وقد كانت محركات البحث إحدى تلك الوسائل التي استفاد منها المسلمون، سواء من خلال محركات البحث البرمجية كتلك الموجودة في البرامج المختلفة، أو من خلال محركات البحث على شبكة الإنترنت، والتي يكفي أن تكتب فيها الكلمة المطلوب البحث عنها، وبضغطة زرٍّ واحدة تأتي لك هذه الكلمة من الشرق ومن الغرب.
ولا شك أن تلك الوسائل وفـَّرت كثيرا من الجهود في البحث، وساعدت على تقدم حركة البحث العلمي، وتوفير الوقت المستغرق في ذلك، واتساع دائرة البحث، خاصة بعد أن صارت هذه الخدمات في متناول الجميع، إلا أن الجانب المظلم من التكنولوجيا -التي تـُنعَت دائما بأنها سلاح ذو حدَّين- قد عكـَّر صفو هذه الاستفادة من عدة جوانب، ولعل من أهمها مسألة:
"تشييخ محركات البحث"!
فقد كان السلف الصالح يحذِّرون من تشييخ الكتب والصُّحف، والاكتفاء بالقراءة فيها، واعتبار ذلك بديلا عن التتلمذ على أيدي العلماء، وثني الركب بين أيدي المشايخ، فقد قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: "من تفقـَّه من بطون الكتب ضيـَّع الأحكام".
وكان بعضهم يقول: "من أعظم البلية تشيخ الصحيفة"، وقال سليمان بن موسي -رحمه الله-: "كان يقال: لا تأخذوا القرآن من المصحفين، ولا العلم من الصَّحفيين"، وقال الإمام سعيد بن عبد العزيز التنوخي -رحمه الله-: "كان يقال: لا تحملوا العلم عن صحفي، ولا تأخذوا القرآن من مصحفي"، وقيل أيضا: "من كان شيخه كتابه؛ كان خطؤه أكثر من صوابه".
وما أحسن ما قاله أبو حيَّان النحوي -رحمه الله-:
يظن الغـُمر أن الكتب تجـدي***أخــا فــهـمٍ لإدراك الـعــلــومِ
وما يدري الجهولُ بأن فيــها***غـوامض حيرت عقل الفهيمِ
إذا رُمـت العلومَ بغير شيـــخ***ضللت عن الصراط المستقيمِ
وتلتـبس الأمور عليك حــتى***تكون أضل من توما الحكيمِ!
والمقارن بين تشييخ الكتب وتشييخ محركات البحث يجد أن الأمر في محركات البحث أشد خطورة؛ فإن مشيِّخ الكتب إذا أراد أن يقف على مسألة فإنه يلزمه في الغالب أن يقلـِّب الكتبَ وينقـِّب فيها ليقف على المسائل، بخلاف محركات البحث التي يقف مستخدمها على الكلمة التي يريدها بضغطة زر، فيقرأ كلمتين قبلها وكلمتين بعدها دون أن يمسك الكتاب بيديه ويبحث فيه.
ثم هذه الكلمات قد تكون مُصحَّفة ومحرَّفة، فلا يخفى كثرةُ التصحيف في أغلب الكتب المنشورة إلكترونيًّا، فيتسبب هذا التصحيف في سوء الفهم من القارئ، وهذا إن كان موجودًا في الكتب المطبوعة؛ فإن وجوده في الكتب الإلكترونية، وفي نتائج محركات البحث أكثر.
ثم قد يكون الباحث قليل الخبرة بالإعراب فيسوء فهمه، أو يدمج من المقاطع ما شأنه الفصل، ويفصل ما شأنه الدمج، أو لا يفهم ألفاظ أهل الفن، فيصير المقروءُ عند هذا غير المقروء عند غيره، والمفهوم عنده بعيد كل البعد عن المقصود من الكلام.
أقول له عَمرًا فيسمعه سعدًا***ويكتبه حمدًا وينطقه زيدًا!
ولا نقصد بذلك نقد استخدام محركات البحث مطلقًا؛ فهي وسيلة يسَّرها الله -عز وجل- ويسَّر بها الكثير من جوانب ال
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ