اللهم اشهد (خطبة لعيد الأضحى)

ديسمبر 24th, 2007 كتبها محمد مصطفى (أبو الفرج) نشر في , خطابة

بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم اشهد
(خطبة عيد الأضحى)
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وتسليماً.
أما بعد –عباد الله-..
فقد أظلكم أشرف الأيام عند الله عز وجل، ألا وهو يوم الأضحية، يوم العجِّ والثجِّ، يوم الحج الأكبر، يومٌ يصبح فيه الحجيج مغفوراً لهم بإذن الله الغفور الرحيم..
يومٌ ابتلى الله فيه إبراهيم عليه السلام بذبح ولده إسماعيل (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ).
لما نزل قول الله تبارك وتعالى : (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا) خرج النبي صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة من الهجرة حاجَّاً إلى بيت الله الحرام، وخرج معه المسلمون من كل مكان، فكانوا بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله مد البصر، فنظر إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (خذوا عني مناسككم، لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا).
ثم لما وقف بعرفة خطب في المسلمين خطبةً بليغةً جامعةً.. ودَّع فيها المسلمين، وأرسى فيها قواعد الإسلام، وهدم فيها قواعد الجاهلية.
قال صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، وربا الجاهلية موضوعة، وأول ربا أضع أضع ربا العباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله، واتقوا الله في النساء؛ فإنكم أخذتمونهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهنّ ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب الله، وأنت تسألون عني فماذا أنتم قائلون؟).
قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت.
فرفع صلى الله عليه وسلم أصبعه إلى السماء ثم نكسها إلى الناس وقال:
(اللهم اشهد.. اللهم اشهد.. اللهم اشهد)
ونقف وقفات مع هذه الخطبة العظيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم..
قال صلى الله عليه وسلم: (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا)
تعظيم حرمة المسلم.. قال صلى الله عليه وسلم: (كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه).
وكان ابن عباس رضي الله عنهما ينظر إلى الكعبة ويقول: (إن الله حرّمك وعظَّمك وشرَّفك، والمؤمن أعظم حرمة عند الله منكِ).
فدم المؤمن وعِرض المؤمن ومال المؤمن أعظم حرمة عند الله من الكعبة.. فإياك عبد الله أن تنتهك تلك الحرمة..
إياك أن تظلم أحداًَ من الناس حتى ولو كان كافراً، فإن الله حرم على نفسه الظلم: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ)، (وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)، وكما حرّم الله عز وجل على نفسه الظلم فكذلك حرّم على عباده الظلم، فقال عز وجل في الحديث القدسي: (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا).
فإياك أن تظلم أجيراً عندك، أو عاملاً عندك، فضلاً عن أن تظلم أهلك: زوجتك وأولادك، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة كما قال صلى الله عليه وسلم، ويؤتى يوم القيامة بالظالم والمظلوم، فيؤخذ من حسنات الظالم فيُعطى للمظلوم، فإن لم يكن للظالم حسنات أُخذ من سيئات المظلوم فطُرحت على الظالم، ثم طُرح في النار، والعياذ بالله.
(إن دمائكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا وكل أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع)..
بعث الله عز وجل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم فأعزَّ به الدين، وأرسى  به دعائم الإسلام، وجعل به كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، وهدم به قواعد الجاهلية.
وأول شيء وضعه النبي صلى الله عليه وسلم من أمر الجاهلية هو شرك الجاهلية، فلا إله إلا الله التي أُرسل بها النبي صلى الله عليه وسلم إنما تعني خلع كل ما يُعبد من دون الله عز وجل من الآلهة الباطلة، وإثبات الألوهية لله عز وجل وحده لا شريك له.
ومن مقتضيات لا إله إلا الله أن تعتقد أنه لا ينفع ولا يضر إلا الله تبارك وتعالى، فالأموات والمقبورون لا ينفعون ولا يضرون، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً فضلاً عن أن يملكوا لغيرهم نفعاً أو ضراً (إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ).
فالدعاء لا يكون إلا لله، والذبح لا يكون إلا لله، والنذر لا يكون إلا لله، والاستغاثة لا تكون إلا بالله، والحلف لا يكون إلا بالله عز وجل.
وكذلك من مقتضيات لا إله إلا الله إفراد الله عز وجل بالحكم والتشريع: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ)، وقد وضع النبي صلى الله عليه وسلم حكم الجاهلية تحت قدميه: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).
فمن قال لا إله إلا الله صدقاً من قلبه لا يتحاكم إلا لشرع الله عز وجل، ويرضى بما شرعه الله تبارك وتعالى له وقدره.
قال صلى الله عليه وسلم: (وربا الجاهلية موضوعة، وإن أول ربا أضع ربا العباس بن عبد المطلب)..
وضع النبي صلى الله عليه وسلم ربا الجاهلية تحت قدميه، وقد قال الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ)، وقال عز وجل: (يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ).
فإياك عبد الله أن تقع في هذه الكبيرة المهلكة.. إياك أن تقع في المعاملات الربوية، أو في التعامل مع الهيئات الربوية والبنوك الربوية، وها هي دار الإفتاء المصرية قد أصدرت الفتاوى بتحريم الربا، وأن المعاملات المعاصرة المشار إليه من الربا المحرم شرعاً، والمجامع الفقهية في العالم الإسلامي أجمعت على أن تلك الصورة من الربا المحرم شرعاً، فإياك أن يغويك الشيطان فتتبع فتاوى شواذ من الناس تدور حولهم الشكوك والشبهات..
أتريد أن تحارب الله؟
أتريد أن تحارب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
(فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ)..
واعلم –عبد الله- أن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)، (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا * ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْ

المزيد





حقوق الطبع محفوظة - وحقوق النشر لكل مسلم بشرط ذكر المصدر

مدونة أبي الفرج المصري