آيات هزَّت قلوبًا

سبتمبر 7th, 2009 كتبها محمد مصطفى (أبو الفرج) نشر في , رمضانيات, كتابات, مقالات, مقالات صوت السلف

 

آيات هزَّت قلوبًا


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الجبال -وهي جبالٌ بغلظتها وقساوتها- لو أُنزل عليها كلام الله -عز وجل- ففهمته وتدبرت ما فيه لخشعت وتصدَّعت من خوف الله -تبارك وتعالى-: (لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) (الحشر:21).

قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في تأويل هذه الآية: "يقول: لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حَمَّلته إياه؛ لتصدَّع وخشع من ثقله، ومن خشية الله".

وقال -تعالى-: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الأرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى) (الرعد:31)، وقد جاء في تفسيرها أنه لو كان هناك قرآن سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كُلِّم به الموتى؛ لكان هذا القرآن.

فإذا كانت الجبال الصم لو سمعت كلام الله وفهمته لتصدعت من خشيته؛ فكيف ببني آدم وقد سمعوا وفهموا؟!

والناظر في حال السلف -رضوان الله عليه- وتأثرهم بآيات الله -جلَّ في علاه- يتعجب من حالنا ونحن نسمع القرآن ليلاً ونهارًا ولا نتأثر كما تأثَّروا، بالرغم من أن الآيات هي الآيات، والكلمات هي الكلمات، وربك قد حفظ كتابه، (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (الحجر:9)، ولكن الفرق ليس في الآيات؛ وإنما في القلوب التي تستقبل كلام الله -عز وجل-!

كانت قلوبهم -رحمهم الله- أرق من نسيم الفجر، ما إن تلامس أسماعهم آيات الله -عز وجل- حتى تصل إلى القلوب، فيرون بأعينهم ما لا يراه غيرهم، فخَلَفَ من بعدهم خلفٌ قست قلوبهم، فهي أشد قسوة من الجبال التي لو فهمت كلام الله لخشعت.

قال أبو عمران: "والله لقد صرف إلينا ربنا -عز وجل- في هذا القرآن ما لو صرفه إلى الجبال لهتَّها وحناها"، وقال مالك بن دينار -رحمه الله-: "أقسم لكم لا يؤمن عبد بهذا القرآن إلا صدع قلبه".

وأخبار الصالحين هي زاد السائرين إلى الله -تبارك وتعالى-، تُعلي من هممهم، وتصرف عنهم الدَّعة والكسل، وتدفعهم دفعًا إلى مزيد من الطاعة والقرب.

فهيا بنا نقف على طرف من أخبارهم مع آيات الله -عز وجل-، نرى كيف هزَّت قلوبهم، وكيف وقفوا على دقيق معانيها، فغيَّرت مسار حياتهم إلى صراط الله المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

قال الحسن البصري -رحمه الله-: "والله يا ابن آدم لئن قرأتَ القرآن ثم آمنتَ به؛ ليطولن في الدنيا حزنك، وليشتدن في الدنيا خوفك، وليكثرن في الدنيا بكاؤك".

وقال مالك بن دينار -رحمه الله-: "إن الصديقين إذا قُرئ عليهم القرآن طربت قلوبهم إلى الآخرة".

سيد ولد آدم سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-:
عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال لي النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اقْرَأْ عَلَيَّ)، قلت: آقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: (فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي)، فقرأت عليه سورة النساء حت

المزيد


ذاقوا ظمأ الهواجر

سبتمبر 3rd, 2009 كتبها محمد مصطفى (أبو الفرج) نشر في , رمضانيات, كتابات, مقالات, مقالات صوت السلف

ذاقوا ظمأ الهواجر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن قلوب المحبين لها عيون ترى ما لا يراه الناظرون، فكل حركة وسكنة في هذا الكون تذكرهم بالله والدار الآخرة، فتعلو هممهم إلى مزيد من القرب من مولاهم رب الأرض والسماوات، وتزيد رغبتهم فيما عند ربهم الكريم الذي يجازي على الإحسان إحسانًا، و(هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلا الإِحْسَانُ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) (الرحمن:60-61).

لا تغفل قلوبهم عن يوم التلاقي:

فهم متى لامست وجوههم نسمات السحر وذاقوا برده تذكُّروا الجنة ونسيمها.

ومتى رأوا الصواعق أو هبت ريح عاصفة تذكروا إهلاك الله للأمم التي أعرضت عن شرعه -عز وجل-، والله ذو انتقام: (وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ) (الرعد:13).

ومتى قاسوا شدة البرد تذكروا زمهريرَ جهنم، واستعاذوا بالله منه، ومتى عانوا من شدة الحر تذكروا حر جهنم، فتعوذوا بالله أن تلفح وجوههم النار، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا. فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ) (متفق عليه)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنِ الصَّلاَةِ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ) (متفق عليه).

وقد كانت لقلوب السلف عيون ترى من الحرِّ ما لا تراه أعين الغافلين:

فالغافلون لا يرون من الحر إلا الألم والعطش، والتأفف، والتطلع إلى انتهاء النهار، أما السلف فقد كان لهم شأن آخر.

كان بعضهم إذا رجع من الجمعة في حر الظهيرة يذكر انصراف الناس من موقف الحساب إلى الجنة أو النار، فإن الساعة تقوم في يوم الجمعة، ولا ينتصف ذلك النهار حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، قاله ابن مسعود -رضي الله عنه-، وتلا قوله -تعالى-: (أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً) (الفرقان:24).

وكان بعضهم يذكر النار بدخول الحمام حيث الماء الساخن:

دخل ابن وهب الحمام فسمع تاليًا يتلو: (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ) (غافر:47)، فغشي عليه.

وتزوج صلة بن أشيم، فدخل الحمام، ثم دخل على زوجته تلك الليلة، فقام يصلي حتى أصبح، وقال: "دخلت بالأمس بيتًا أذكرني النار، ودخلت الليلة بيتًا ذكرت به الجنة، فلم يزل فكري فيهما حتى أصبحت".

وكان بعض السلف إذا أصابه كرب الحمام يقول: "يا بر يا رحيم، مُنَّ علينا وقنا عذاب السموم".

وقد دارت الدنيا دورتها، وأظلنا شهر الصيام في صيف قائظ:

حيث يشتد العطش بالصائمين، ويزداد نصبهم بطول النهار، وإن كانت قلوب كثير من الناس معلَّقة بوقت الإفطار والتفكير في ألم العطش؛ فإن السلف كان لهم شأن آخر؛ ففضلاً عن تذكرهم أحوال الآخرة والموقف بين يدي الله، والموقف يوم تدنو الشمس من الرؤوس، ويشتد الظمأ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة؛ فإنهم كانوا يعلمون علم اليقين أن الجزاء من جنس العمل: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) (البقرة:152)، (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) (محمد:7)، (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر:60)، (إِذَا تَقَرَّبَ الْعَبْدُ إِلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا وَإِذَا تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا وَإِذَ

المزيد


من بركات السحور

أغسطس 27th, 2009 كتبها محمد مصطفى (أبو الفرج) نشر في , رمضانيات, كتابات, مقالات, مقالات صوت السلف

من بركات السحور

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالله –عز وجل- يمينه ملأى لا تُنقصها نفقة، وهو الكريم الذي أفاض بجوده وكرمه على عباده، ولم يُنقص ذلك من ملكه إلا كما ينقص المخيط إذا أُدخل البحر، ولو ذابت الألسنة لاهجةً بحمده وشكره لما أدَّى أربابها شكرَ ربِّ العالمين -عز وجل- حقَّ شكره، فاللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.

ويأتي موسم الجود الذي أنعم الله فيه على عباده بأن أنزل فيه القرآن، وتفضَّل على عباده المؤمنين بأن فتَّح لهم أبواب الرحمة وغلَّق أبواب النيران، فأصبحوا وأمسوا متعبدين بين يديه وقد هبت عليهم نسائم الجنان التي فتحت أبوابها مع أول ليلة من رمضان.

ومن تأمَّل فيما شرعه الله -عز وجل- من طاعات وقربات في هذا الشهر الكريم، وما يسَّر من أسباب لتحقيقها؛ يذوب قلبه حبًّا وشكرًا وشوقًا إلى ربه -عز وجل- الذي من تقرب إليه شبرًا تقرب إليه ذراعًا، ومن تقرب إليه ذراعًا تقرب إليه باعًا، ومن أتاه يمشي أتاه هرولة.

ومن هذه العبادات المشروعة في رمضان والتي لا يلتفت إلى فضلها وبركاتها كثير من الصائمين عبادةُ السحور، والتي من تأمَّل في خيراتها وبركاتها لعلم علم اليقين أن الله -عز وجل- يريد أن يتفضل على عباده، (وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) [النساء: 27]، وإن صغر العمل من العبد، أو كان حتى مجرد أكلة أو شربة ماء، فإن الله -عز وجل- لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم، و(لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَ

المزيد





حقوق الطبع محفوظة - وحقوق النشر لكل مسلم بشرط ذكر المصدر

مدونة أبي الفرج المصري