أقص عليكم .. نبأ ابنتي

مارس 6th, 2008 كتبها محمد مصطفى (أبو الفرج) نشر في , خواطر, رسائل, كتابات

بسم الله الرحمن الرحيم

قد يهون على المرء أن تنزل به صاعقة
قد يَقبل أن يُمزِّق قلبَه أشلاءً بسكين
أمَّا أن يرى أحبَّ أحبائه يُعذَّب أمام عينيه ثم ..
ثم يلقي حبيبُه باللائمة عليه ..
ويقولها دون مواربة : أنت السبب
فهذا ما لا يتحمله إنسانٌ ..

أبو الفرج المصري

 

أقصُّ عليكم ..
نبأ ابنت
ي

 

نعم .. هو ذاك الحائر ..
عيناه تدوران في محجريهما .. لسانه وكأنه قد شُلَّ
خطا خطوة نحو تلك النار المتأجِّجة
الرعب يكاد يحطِّم فؤاده
صرخاتٌ تطرق مسامعه .. واحدةٌ منها كفيلة بأن لا يهنأ عيشٌ لسامعها
لهبٌ متراقص .. مُعذَّبون
الواحدُ منهم غاية أمانيه .. الموت
ثم ..
صرخة هائلة
التفت .. وإذا بها ..
نعم .. هي ابنته
قلبه الذي كان يمشي على الأرض
فلذة كبده التي بذل لها مهجته ، ثم ..
ثم توقَّف ذلك القلب عن النبض وهو في ريعان شبابه
وأصبحت تلك الفلذة مزقًا مبعثرة في زوايا القبور
ودّع ابنته المتوفاة بقلبٍ متألِّم
تلك الزهرة التي ذبلت بمجرد أن تفتحت .. أو قبل أن تتفتح
مات قلبه .. وواراه خلف التراب
نعم .. هي ابنتي !
يا وليتى .. لماذا أنت هنا حبيبتي ؟
كانت تصارع النيران بيديها وتصرخ
وقف حائرًا بين الإقدام والإحجام
ماذا يفعل ؟
لم يَطُل تفكيره .. فقد التفتت إليه تلك المُعذَّبة ..
وقالت له :
أنت السبب
قد يهون على المرء أن تنزل به صاعقة
قد يَقبل أن يمزِّق قلبه أشلاءً بسكين
أما أن يرى أحبَّ أحبائه يُعذَّب أمام عينيه ثم ..
ثم يلقي حبيبُه باللائمة عليه ..
ويقولها دون مواربة :
أنت السبب
فهذا ما لا يتحمله إنسان
وقف مشدوهًا ..
 صرخ صرخة من أعماق قلبه
مزَّقت ما تبقى من نياط قلبه :
أنا ؟
ما زال نظرُها مسلَّطًا على أبيها العاجز
نظرة عجيبة .. ما أقساها على أب !
أهي نظرة بغض .. أم استعطاف .. أم يأس .. أم .. أم ..
أنت السبب .. أنت السبب .. أنت السبب
انطلقت كلماتها كالرصاص يخترق قلبه
أخذت الكلمة تتردد في رأسه ويعلو صداها و…


********************************

 

بكى الباكون على ابنته
ثم لجأوا إلى مضاجعهم
ولم يبق ساهرًا في ظلمة الليل إلا عيناه القريحتان
كانت هذه حاله بعد وفاة ابنته
كم من مرة استيقظ فزِعًا .. صارخًا .. باكيًا
لا زالت تلك الرؤيا تلاحقه
لا في منامه فقط
وإنما الأشد إيلامًا أنها تطارده في يقظته
كانت تلك الرؤيا لا تفارق مخيلته
كان كلما رأى نارًا تذكَّر مشهد ابنته تلفحها النيران وسمع صوتها :
أنت السبب
كلما سمع أصوات أخواتها الشبيهة بصوتها تذكَّرَ صرختها الحارقة :
أنت السبب
كلما تصفح صُورها .. ونظر إلى جمالها الأخاذ
عينيها .. ابتسامتها
شعر أن عينيها تثقبان قلبه بتلك النظرة
وشفتاها تنفرجان :
أنت السبب
ما أقسى أن تجتهد في دفع ذكرى حبيبك الغائب
لأنها لا تزيدك إلا عذابًا
كانت كلما تراءت له في مخيلته دفعَها دفعًا
وهي من أحب الناس إليه !
كم تألَّم .. كم تمزَّقَ قلبه !

المزيد





حقوق الطبع محفوظة - وحقوق النشر لكل مسلم بشرط ذكر المصدر

مدونة أبي الفرج المصري