|
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فممَّا اختصَّ اللهُ -عز وجل- به الأمةَ الإسلامية خصيصةُ الإسناد المتصل، تلك الخصيصة التي لا توجد عند أي أمَّة من الأمم، ممَّا جعلها أمةً فريدةً في إثبات ما تدين به وتعتقده، بخلاف غيرها من الأمم ممن يدين بما لا يمكن إثباته بسند متصل، فضلاً عن أي سند ولو كان منقطعًا!
والإسناد اصطلاحًا هو: سلسلة الرواة الذين نقلوا الخبر واحدًا بعد واحد إلى أن يصلوا بالرواية إلى مصدرها الأصلي، فصار الإسناد بذلك هو الوسيلة لنقد الأخبار؛ إذ بمعرفة نقلة الخبر تـُعرف قيمته من حيث القبول والرد، قال ابن المبارك -رحمه الله-: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء" رواه مسلم في مقدمة الصحيح.
وكما أمر الشرعُ بقبول خبر العدل الثقة؛ فقد أمر الله -عز وجل- في كتابه وأمر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في سنته بالتثبُّت من خبر الفاسق، فقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات:6)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الحَدِيثِ) (متفق عليه)، وقال أيضًا -صلى الله عليه وسلم-: (كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ) (رواه مسلم).
قال الحاكم -رحمه الله-:
"فلولا الإسناد، وطلب هذه الطائفة له، وكثرة مواظبتهم على حفظه؛ لدرس منار الإسلام، ولتمكَّن أهل الإلحاد والبدع بوضع الأحاديث وقلب الأسانيد؛ فإن الأخبار إذا تعرَّت عن وجود الأسانيد كانت بُترًا" معرفة علوم الحديث: ص6.
وصدق رحمه الله؛ فقد بذل علماء المسلمين غاية الجهد في الحفاظ على الأسانيد وتنقيتها من الكذب والوضع؛ فوضعوا قواعد لجرح الرواة وتعديلهم، ودقـَّقوا في وضع الألفاظ الدالة على الجرح أو التعديل وبيان معانيها، وتشهد بذلك عشرات المؤلفات لعلماء المسلمين في شروط وقواعد الرواية وبيان الثقات والضعفاء، فجزاهم الله عن الإسلام خيرًا.
الاهتمام بالأسانيد امتد ليشمل غير الحديث النبوي، كالتاريخ:
وإن كان الحديث النبوي قد نال أعلى الاهتمام بدراسة أسانيده وتنقيتها؛ إلا أن الاهتمام بالأسانيد قد امتدَّ ليشمل عددًا من العلوم كالتفسير، والتاريخ، والأدب، حتى صار صفةً غالبةً على منهج تدوين العلوم الإسلامية المختلفة.
والروايات التاريخية المسندة يجدُها الباحث في كتب التاريخ المسنَدة نفسها، وعلى رأسها "تاريخ الأمم والملوك" المعروف بـ"تاريخ الطبري"، ومنها أيضًا كتاب "التاريخ" لخليفة بن خيَّاط البصري، وكتاب "التاريخ الكبير" ليعقوب بن سفيان الفَسَوي، وكتاب "التاريخ" لأبي زرعة الدمشقي، وغيرها من الكتب المسندة، وكذلك توجد بعض المرويات التاريخية في كتب الحديث مثل: "صحيح البخاري" و"مسند أحمد" و"جامع الترمذي"، أو في المصنفات مثل: "مصنف ابن أبي شيبة"، أو في كتب التفسير التي تذكر بعض الروايات التاريخية بالأسانيد مثل: "تفسير الطبري".
ولكن الناظر في الروايات التاريخية يجد أنه بالرغم من وجود روايات مسندة إلا أن الأغلب الأعم في الروايات التاريخية أنها لا تصل في ثبوتها وعدالة رواتها واتصال أسانيدها إلى درجة الأحاديث النبوية، وأكثرها محمول عن الإخباريين بأسانيد منقطعة يكثر فيها المجاهيل والضعفاء والمتروكون، إلا فيما يتعلق ببعض المرويات في السيرة والخلافة الراشدة.
تساهل العلماء في التعامل مع الروايات التاريخية بخلاف الحديث النبوي:
إلا أن الناظر في طريقة العلماء في التعامل مع الروايات التاريخية يجد أن هناك فرقـًا بين تطبيق قواعد نقد الحديث على الحديث النبوي وعلى الروايات التاريخية؛ فقد كان مِن علماء السلف نوعُ تساهلٍ -تحكُمُه ضوابطُ- مع روايات التاريخ، ولم يعاملوها معاملة الحديث.
قال أكرم ضياء العمري: "أما اشتراط الصحة الحديثية في قبول الأخبار التاريخية التي لا تمس العقيدة والشريعة ففيه تعسُّف كثيرٌ، والخطر الناجم عنه كبير؛ لأن الروايات التاريخية التي دوَّنها أسلافنا المؤرخون لم تُعامَل معاملة الأحاديث، بل تمَّ التساهل فيها، وإذا رفضنا منهجهم فإن الحلقات الفارغة في تاريخنا ستمثِّل هوَّة سحيقة بيننا وبين ماضينا، مما يولد الحيرة والضياع والتمزق والانقطاع… لكن ذلك لا يعني التخلي عن منهج المحدثين في نقد أسانيد الروايات التاريخية؛ فهي وسيلتنا إلى الترجيح بين الروايات المتعارضة، كما أنها خير مُعين في قبول أو رفض بعض المتون المضطربة أو الشاذة عن الإطار العام لتاريخ أمتنا، ولكن الإفادة منها ينبغي أن تتم بمرونة، آخذين بعين الاعتبار أن الأحاديث غير الروايات التاريخية، وأن الأُولى نالت من العناية ما يمكِّنها من الصمود أمام قواعد النقد الصارمة" دراسات تاريخية: ص27.
التفريق بين ما يُتشدد وما يُتساهل فيه من الأخبار:
ولكن هذا التساهل لا يمكن تعميمه على جميع الروايات التاريخية؛ فإن الناظرَ في طريقة العلماء في التعامل مع الروايات التاريخية من حيث تطبيق قواعد نقد الحديث من عدمه أو التساهل فيه يجد أن الأمر نسبي تحدده طبيعة الروايات.
وباستقراء ما ذكره العلماء نجد أن أهم ما تشدد فيه العلماء من روايات التاريخ:
1- ما يتعلق بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، والمرويات عن النبي -صلى الله عليه وسلم- منها ما يُمكن أن يستنبط منها حكم شرعي، ومنها ما لا يُستنبط منه، وإنما هو من باب الأخبار المجرَّدة.
فأمَّا يمكن أن يُستنبط منه حكمٌ شرعيٌّ فإنه يُتشدَّد في تطبيق قواعد نقد الحديث عليه، أما الأخبار التي لا تـُستنبط منها أحكام كتاريخ سرية من السرايا، أو عدد مَن كان فيها، أو تحديد موقعها بدقة، ونحو ذلك؛ فهذا يُتساهل في روايته.
ولكن ينبغي التعامل بحذر أيضًا مع هذه الأخبار؛ لأنه أحيانـًا تكون مثل هذه الأخبار المُتسَاهل فيها لها علاقة غير مباشرة باستنباط الأحكام، وهذا كمعرفة تقدُّم خبر أو تأخُّره مما يفيد في معرفة الناسخ والمنسوخ على سبيل المثال، فهنا ينبغي العودة إلى التعامل مع قواعد نقد الحديث فيما يتعلق بهذا الحكم، مع مراعاة أنه يمكن الاستفادة من الخبر جملةً مع التوقـُّف في تقرير الأحكام منه، سواء أستـُفِيدت هذه الأحكام بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
2- ما يتعلق بثلب أو تنقص أحد من العلماء والأئمة ممن ثبتت عدالته، وعلى رأسهم الصحابة- رضي الله عنهم-، فتشدَّد العلماء في قبول الروايات التاريخية المتعلقة بما جرى بين الصحابة، وكذلك تشدَّدوا في الروايات المنسوبة إلى الأئمة المعروفين الثابتة عدالتهم مما يطعن في اعتقادهم أو سلوكهم، قال ابن حجر -رحمه الله-: "لأنَّ كل من ثبتت عدالته لا يُقبل جرحه حتى يَتبين ذلك عليه بأمر لا يحتمل غير جرحه" التهذيب "7/273".
3- ما يتعلق بقضية في
|