الرجل الذي كتب استقالته لما تولى مشيخة الأزهر

نوفمبر 22nd, 2009 كتبها محمد مصطفى (أبو الفرج) نشر في , كتابات, مقالات, مقالات متنوعة

الرجل الذي كتب استقالته لما تولى مشيخة الأزهر


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن من أشد شهوات الدنيا فتنةً شهوة المنصب، تلك الفتنة التي قد تدفع من أُشربها قلبه أن يبيع دينه، ويشتري فانيةً بباقية، ويستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، شأنه شأن الذين حالت السيادة والرئاسة بينهم وبين حظيرة الإيمان، فكانوا مُقدَّمي وقود النار الذين قالوا: (رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا . رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) (الأحزاب:67-68).

وكم تعظم المصيبة إن كان هذا المنصب متعلِّقًا بالدين! ما أشد البلاء لو تمكَّنت شهوة المنصب من قلب رجلٍ تعلَّقت به قلوب الناس يأخذون عنه دينهم! ويا لها من طامة أن تنزلق قدما مَن جعله الناس بينهم وبين ربهم -عز وجل-؛ يبلغهم دينه، ويوقِّع لهم عن رب العالمين! والمخدوع من أحسن الظن بنفسه وأمن الفتنة، والخاسر من أمن مكر الله، (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (الأعراف:99)، نسأل الله الثبات.

والعالم يعلمُ مواطن قدميه وخبايا نفسه، فلا يأمن أن يضع قدمًا في الجنة والأخرى لم تستقر بعدُ.. تجده لا يأمن على نفسه الفتنة، ولا يمل من أن يسأل ربَّه مقلبَ القلوب أن يثبت قلبه على دينه، مستنًّا بإمام العلماء -صلى الله عليه وسلم- الذي كان يدعو ربه ويقول: (يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ، ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وعباد الله الصالحين يقولون : (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ . رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) (آل عمران:8-9).

ولا شك أن هذا الخوف من الفتنة والتبرؤ من الحول والقوة إلى حول وقوة من لا حول ولا قوة إلا به له أثره في الثبات على الحق، والجهر به وإن سخط الناس، وإن زال المنصب، وإن وُضع المنشار في مفرق الرأس، كما فُعل مع الراهب وجليس الملك في قصة أصحاب الأخدود حين قيل لكل منهما: "ارجع عن دينك"، فأبى كل منهما، فشقهما المنشار حتى وقع شقاهما، فسلام الله على تلك النفوس الطاهرة، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (كان الرجل قبلكم يؤخذ، فيحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشق باثنتين، ما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب، ما يصده ذلك عن دينه) (رواه البخاري).

وأمة الإسلام ولادة، رحمها لا ينضب، ولا يزال الخير في هذه الأمة إلى قيام الساعة، ونموذج العالم الذي يخشى على نفسه الفتنة يتجدد بين زمان وزمان، لا تعدمه الأمة.

ومن هؤلاء الأعلام في عصرنا الحاضر هذا الرجل الذي ضرب أروع الأمثلة في الصدع بالحق، والاستهانة بمتاع المنصب الزائل، وضرب كذلك أروع الأمثلة في الخوف على نفسه من الفتنة..

إنه شيخ الأزهر محمد الخضر حسين -رحمه الله- الذي جدَّد -وهو المُسنُّ الهرم- للأزهر بعض شبابه، وبثَّ فيه روحًا من كرامة النفس، وكرامة العلم، وكرامة العلماء، فكان مثالاً يتمنى المرء أن يرى مثله على كرسيه؛ يصدع بالحق، ويرفع اللواء، ولا يخشى في الله لومة لائم.

وقد كان له موقف سجَّله التاريخ قلَّ أن تجد مثله في أمة من الأمم، فإنه لما تولى مشي

المزيد


يا أبطال غزة .. القبر الذي يُحفر بالسيف لا يكون حفرة من حفر النار

يناير 18th, 2009 كتبها محمد مصطفى (أبو الفرج) نشر في , كتابات, مقالات, مقالات متنوعة

 

يا أبطال غزة ..
القبر الذي يُحفر بالسيف لا يكون حفرة من حفر النار

الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد ..
 

فهذه كلمات سطرها أديب العربية مصطفى لطفي المنفلوطي في نظراته تحت عنوان ( خطبة الحرب ) ، أعملتُ فيها مقصَّ التهذيب والاختصار ؛ لتلائم أن أهديَها لأسيادي من أباة الضيم من أبطالنا المجاهدين في غزة الأبية ..

يا أبطال برقة وليوث طرابلس وحماة الثغور وذادة المعاقل والحصون , صبرًا قليلاً في مجال الموت ؛ فهاهي نجمة النصر تخفق في آفاق السماء , فاستنيروا بنورها ، واهتدوا بهديها , حتى يفتح الله عليكم.

إن الله وعدكم النصر ووعدتموه الصبر , فأنجزوا وعدكم ينجز لكم وعده .

لا تحدِّثوا أنفسكم بالفرار ؛ فوالله إن فررتم لا تفرون إلا عن عرض لا يجد له حاميًا ، ودين يشكو إلى الله قومًا أضاعوه ، وأنصارًا خذلوه.

إنكم لا تحاربون رجالاً أشداء , بل أشباحًا تتراءى في ظلال الأساطيل ، وخيالات تلوذ بأكناف الأسوار والجدران , فاحملوا عليهم حملة صادقة تطير بما بقي من ألبابهم , فلا يجدون لبنادقهم كفًّا ، ولأسيافهم ساعدًا .

إنهم يطلبون الحياة وأنتم تطلبون الموت ، ويطلبون القوت وتطلبون الشرف ، ويطلبون غنيمة يملئون بها فراغ بطونهم وتطلبون جنة عرضها السموات والأرض ، فلا تجزعوا من لقائهم ؛ فالموت لا يكون مر المذاق في أفواه المؤمنين .

إنكم تعتمدون على الله , وتثقون بعدله ورحمته ، فتقدَّموا إلى الموت غير شاكين ولا مرتابين ؛ فما كان الله ليخذلكم ويكِلكم إلى أنفسكم وأنتم من القوم الصادقين .

إن هذه القطرات من الدماء التي تسيل من أجسامكم ستستحيل إلى شهب نارية حمراء تهوي فوق رءوس أعدائكم فتحرقهم ، وإن هذه الأنات ال

المزيد


تدوم الدنيا مع العدل والكفر ، ولا تدوم مع الظلم والإسلام !

أبريل 3rd, 2008 كتبها محمد مصطفى (أبو الفرج) نشر في , كتابات, مقالات, مقالات متنوعة

تدوم الدنيا مع العدل والكفر ، ولا تدوم مع الظلم والإسلام !

ذكر ابن خلدون في مقدمته عن المسعودي في كتابه أخبار الفرس قصة حدثت في فارس في عهد بهرام بن بهرام ، وذلك أن الملك بهرام سمع ذات مرة صوت البوم ، فاستدعى رجل الدين عندهم ـ وكان يلقب بالموبذان ـ وطلب منه أن يفسر له ما يقوله البوم !
فقال له الموبذان أن بومًا ذكرًا يخطبُ بومًا أنثى ، فطلبت منه أن يعطيها مهرها عشرَ قُرَى خربة في أيام بهرام بن بهرام ، فاستهان الذَّكَرُ بذلك ، وقبل شرطها ، وقال لها أنه لو دامت أيام مُلك بهرام فإنه سوف يعطيها ألف قرية خربة لا عشرين !
تعجَّب بهرام من كلام الموبذان ، فخلا به ، وسأله عن مراده ، وما الذي قصده بهذا المثل ، فقال له الموبذان أن المُلك لا يتم عزه إلا بالشريعة ، ولا قوام للشريعة إلا بالملك ، ولا عز للمَلِك إلا بالرجال ، ولا قوام للرجال إلا بالمال ، ولا سبيل إلى المال إلا بالعمارة والصناعة والزراعة وما شابه ذلك من أوجه التكسُّب ، ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل ، فإذا زال العدل انهارت العمارة وتوقف الإنتاج ، فافتقر الناس ، واستمرت سلسلة التساقط حتى ينهار المُلك .
وقد يتعجب البعض ويتساءل عن العلاقة بين العدل والعمارة والإنتاج ، وجواب ذلك أن الَملِك متى ظلم الرعية وانتزع الصناعات من أيديهم ليجعلها في يد حاشيته الذين هم من أهل البطالة ، وقد يعلِّل ذلك بأن هؤلاء هم أكثر الناس طاعةً له ، فيستطيع من خلالهم التحكم في الأسعار والوضع الاقتصادي العام ، متى فعل ذلك فقد سلك طريق انهيار ملكه من خلال أمرين :
أولهما : أن الصناعة أو الزراعة متى كانت في يد واحد من الحاشية انعدم التنافس في هذه الصناعة أيًّا كانت ، ومتى احتكر السلعة رجلٌ واحدٌ ولم يجد منافسًا له لم يهتم بجودة ما ينتجه أولاً ، ثم يتحكم في الأسعار كيف شاء حيث لا منافس ثانيًا .
وثانيهما : أن الصناعات متى كانت بيد الحاشية سومحوا فيما يؤخذ منهم من ضريبة ومصاريف متعلِّقة بما ينتجونه ، فاحتِيج إلى تعويض ذلك بالإثقال على عوامِّ الناس وتكليفهم بما لا يطيقون ، هذا بالإضافة إلى أنهم سُلبوا العمل الشريف لاحتكار الحاشية له ،

المزيد





حقوق الطبع محفوظة - وحقوق النشر لكل مسلم بشرط ذكر المصدر

مدونة أبي الفرج المصري